الآثار البيئية لمحطات تحلية المياه على البيئة البحرية

 

د. هاني أحمد أبو قديس    دكتوراه هندسة بيئية

 

تعتبر تحلية المياه من المصادر غير التقليدية للمياه العذبة ، وتنتج عملية التحلية مياها ذا جودة عالية تكاد تكون خالية من أي شوائب وقد ساهمت تحلية مياه البحر في تلبية العديد من الاحتياجات المتزايدة باستمرار لمختلف القطاعات الاستهلاكية في الكثير من دول العالم ، خاصة تلك التي تقع في مناطق صحراوية جافة مثل منطقة الخليج العربي .

وهناك تقنيات متنوعة للحصول على المياه العذبة عن طريق التحلية ، وأكثرها شيوعا هي التحلية عن طريق التقطير ، حيث تعتمد هذه الطريقة على تبخير مياه البحر ثم تكثيف البخار الذي يتم فصله عن باقي المكونات كمياه نقية . وهناك طريقة التحلية بوساطة الناضح العكسي والتي بدأت تأخذ طريقها مؤخرا للتطبيق ، كإحدى الطرق الرئيسة للتحلية ، وتعتمد هذه الطريقة على ضغط المياه وحفزها للمرور من خلال أغشية شبه نفاذه تعمل على حجز الأملاح وتسمح بمرور المياه النقية .

وأيا كانت التكنلوجيا المستخدمة في التحلية ، فإن المدخلات والمخرجات الرئيسة لعملية التحلية تكاد تكون واحدة . حيث تؤخذ مياه البحر المالحة من مأخذ سطحي أو من آبار على الشاطئ ، ويتم إدخالها إلى محطة التحلية ، حيث تخضع هناك لعمليات فيزيائية وتفاعلات كيميائية معقدة مثل الضغط والتبخير وإضافات كيميائية معقدة مثل الضغط والتبخير وإضافات كيميائية لتعديل درجة الحموضة والتطهير ومواد منع التآكل والرواسب وتكون الرغوة وخلافها ، ليتم بعد هذه العمليات فصل المياه المحلاة عن الأملاح التي تتركز في سائل يسمى بالمياه المرفوضة أو الراجعة ، ويكون تركيز المياه عدة ما يقارب ضعف تركيزها في مياه البحر العادية التي تحوي على ما يقرب من 35.000 40.000 جزء بالمليون من الأملاح . بالإضافة للأملاح فإن المياه الراجعة تحوي على معظم المواد الكيماوية والإضافات التي تستعمل أثناء عملية التحلية . ويتم غالبا إعادة هذه المياه إلى البحر من خلال مخرج المحطة وذلك بما تحويه من تراكيز عالية من الأملاح والكيماويات . أضف إلى ذلك فإن درجة حرارة المياه الراجعة تكون عادة أعلى من درجة حرارة مياه البحر الطبيعية بحوالي 7-10 درجات مئوية وذلك في حالة التحلية عن طريق التقطير .

ويبين الشكل أدناه مخططا مبسطا لعملية التحلية موضحا عليه المواد الداخلة والناتجة عن العملية .

وعلى الرغم من أن تحلية المياه لها الكثير من الآثار البيئية الإيجابية حيث أن إنتاج المياه المحلاة خاصة في المناطق التي تعاني من شح في مواردها المائية التقليدية سهل عمليات التنمية الإقتصادية والاجتماعية إلا أن لمحطات التحلية آثارها السلبية على البيئة البحرية والتي يمكن إجمالها في ما يلي :-

1.     تظهر الآثار السلبية لمحطات التحلية منذ بداية عملية تشييد المحطة على الشاطئ وبناء المداخل والمخارج داخل البحر حيث يتم تغيير صفة استعمال الاراضي في تلك المنطقة ، وتقوم الآليات والمعدات بمدمك الرمال مما يؤثر على الكائنات الدقيقة المتواجدة على الشاطئ ، بالإضافة إلى ذلك فإن الحفريات تعمل على تفتيت التربة وزيادة المواد العالقة والراسبة في المياه والتي بدورها تحجب ضوء الشمس عن النباتات المائية وتمنعها من إتمام عملية التمثيل الغذائي ، كما أن وجود هذه المواد يعيق عملية التنفس لدى الأسماك والأحياء البحرية .

2.     إن المياه الراجعة من محطة التحلية تحوي كما أشرنا على تراكيز عالية من الأملاح ، والذي يؤدي مع الزمن إلى زيادة ملوحة مياه البحر في منطقة مخرج المحطة والمناطق المحيطة به وخاصة في ظل وجود معدلات تبخر عالية كما هو الحال في المناطق الحارة ، مما يؤثر على بعض الأحياء المائية التي لا تحتمل الملوحة الزائدة .

3.     ضخ كميات من المياه الراجعة ذا الحرارة الأعلى من حرارة مياه البحر يعمل على خفض كميات الأكسجين المذاب في ماء البحر واللازم لتنفس الكائنات البحرية مما يؤدي إلى فناءها أو هجرتها والتأثير على التنوع الحيوي .

4.     وجود كميات من المواد الكيماوية العضوية في المياه الراجعة أيضا يعمل على استنزاف كميات من الأكسجين الحيوي أثناء تحلل هذه المواد إلى مركبات بسيطة ويساهم مع ارتفاع درجة الحرارة في تقليل نسبة الأكسجين المذاب بالمياه .

5.     هنالك مركبات ذات أثر سام مثل الكلورين ومشتقاته التي تستخدم في عمليات تطهير المياه وكذلك هناك احتمال لظهور مركبات التراي هالوميثنان والتي تتكون نتيجة تفاعل الكلورين مع المواد العضوية وهي ذات أثر مسرطن إذا ما تواجدت بتراكيز معينة .

6.     هناك فرصة لأن تحوي المياه الراجعة معادن ثقيلة نتيجة عمليات التآكل في الاجزاء المعدنية لمحطة التحلية وتتميز هذه المعادن بآثارها السامة حيث تتراكم في اجسام الحيوانات البحرية ومن الممكن ان تصل للإنسان من خلال السلسلة الغذائية

7.     تستعمل الأحماض الكيميائية عادة لغسل الغلايات وأنابيب التكثيف ولإزالة الرواسب التي تتكون نتيجة عملية التقطير ، وهذه الأحماض يجري تصريفها الى البحر مع المياه البحر وتحويلها الى وسط غير مناسب لنمو بعض الكائنات البحرية

    مما سبق يتبين لنا أهمية إدخال البعد البيئي عند التفكير بإنشاء محطات التحلية وإجراء عملية تقييم الأثر البيئي ابتداء من عملية التخطيط واختيار التكنولوجيا المناسبة واستخدام المواد الرفيقة بالبيئة وانتهاء بعملية تشغيل المحطة .